Saturday, December 3, 2016

هل كان الاستعمار سيئا حقا؟

أعلم أن السودانيين ليسوا وحدهم الذين نجد بينهم من يتساءلون: هل كان زمان الاستعمار سيئا حقا، مقارنة بواقعنا الحالي بعد عقود من الاستقلال السياسي؟ بخصوص هذا التساؤل العام ليس السودانيون نسيج وحدهم من ناحيتين: الأولى أنهم ليسوا الشعب الوحيد الذي خرج مؤخرا – أي قبل بضعة عقود – من حقبة استعمار مباشر؛ والثانية أن مثل هذا التساؤل، بتجلياته المتنوعة، يصدر عن أكثر من فئة واحدة من فئات الشعب الواحد. بطبيعة الحال فكل فئة تتساءل ذلك السؤال وفق ذاكرتها ولغتها وأجندتها الخاصة. من تلك الفئات فئة عوائل المتعلمين (الخريجين) الذين تبدلت أحوالهم - ومعها أحوال بيوتهم وذويهم عموما - في العقود الأخيرة لسنوات الاستعمار حيث نالوا تعليما إداريا ومهنيا حديثا وصاروا أفندية في مرافق الدولة وأصحاب امتيازات فيها بين بني جلدتهم. ومنها فئة الأجيال التي لم تعاصر الاستعمار ذات نفسه ولكنها وُلِدَت "مستقلة" في بلدان يرونها تعاني من مشاكل تنمية واستقرار غائرة، ثم ينظرون وراء البحار فيرون البلدان التي كانت تستعمر بلادهم في السابق متفوقة اليوم في كل شيء وبمراحل بعيدة: التطور المادي والرخاء الاقتصادي والخضم الإعلامي والفني والتكنولوجي والصحي، وباقات الحقوق الدستورية والحريات القانونية، إلخ، فلا يملكون بدّا من أن يأخذهم الخيال إلى تساؤلات مثل هذه. أيضا من تلك الفئات من يمكن تسميتهم، بشيء من التعميم المخل واللغة غير الدقيقة، أهل الشارع العاديين، وهم يشملون الحرفيين (الصنايعيين) والمجتمعات شبه الريفية (مثل مجتمعات المساكن العشوائية) وربات البيوت وصغار التجار، إلخ، الذين لم تتسنّ لهم فرص تشرب المعارف السياسية والاقتصادية والتاريخية التفصيلية أو التخصصية، فلشيء من ذلك تؤثر فيهم كثيرا مشاهد ومسامع الحضارة الغربية الفائقة مقارنة بواقعهم المعيشي البائس من جميع النواحي، ويتساءلون عن جدوى "الاستقلال" السياسي الذي جعل هذا اليوم حالنا بعد عقود منه في حين كيف صارت أحوال "الخواجة" الآن. 

أكثر من حالة التساؤل، أعلاه، في مراحلها البريئة، هنالك بين هذه الفئات المواطنة من يدلف لمرحلة النعي أيضا. وما نعنيه بالنعي هنا ما ورد في لسان العرب من معنى إذاعة خبر موت المرء مع ندبه أي تعديد محاسنه وإظهار الحزن على وداعه. حالة النعي هذه، في ظل الظروف الحالكة لبعض شعوب ما بعد الاستعمار، يمكن أن تجد مكانا مريحا وسط أعضاء الفئات المتعلمة وقليلة التعليم معا، إذ أن هؤلاء جميعا يمكنهم الاشتراك في تخيّل أن الأمور ما كان يمكن، على أي حال، أن تكون أسوأ مما هي عليه الآن بعد عقود من الاستقلال السياسي، وبالتالي فربما كان زمان الاستعمار، برغم ما هو معروف عنه من التسلط والاستغلال الأجنبي، أفضل في النهاية من الحال المعاصر البائس أقصى البؤس. 

أعلم أن السودانيين ليسوا وحدهم في وجود هذه الظاهرة بينهم، وانتشارها في أحاديثهم ومفاكراتهم العامة، خصوصا مع زيادة أسباب التواصل مع العالم الغربي عن طريق الإعلام العولمي وعن طريق "المغتربين" ودورهم في تقريب الواقعين المختلفين – تقريبا ظاهريا فقط في أغلب الأحيان. لكن، بما أني سوداني، وبما أني بحكم ذلك مدرك ومعايش لتجليات هذه الظاهرة وسط السودانيين أكثر من غيرهم (بل وربما أكون طرفا منها أكثر مما أحب أن أتصوّر عن نفسي)، لذلك سأتناولها من زاوية رؤية افريقية عامة في معظم جوانبها ولكن لا تخلو من منظور سوداني خاص في بعضها الآخر. 

الموقف المباشر 

لنكن مباشرين: الاستعمار مشروع استغلالي قهري. هذي فحوى الاستعمار كظاهرة عامة. كل ما يتعلق بالخط المقصود للاستعمار يدخل عموما ضمن شروط تحقيق مصالح المُستعمِر أولا، بإرادة المستعمِر وموارد البلاد المستعمَرَة (الطبيعية والبشرية). لذلك فالعدالة الاجتماعية والاستعمار لا يلتقيا. 

من الناحية الأدبية العامة، وعلى مدى التاريخ، لم يكن المعتدي يوما يبرر اعتداءه بإعلان الأهداف الأساسية، خصوصا حين تكون تلك الأهداف ببساطة حيازة السلطة والثروة من مجموعة أخرى. دوما تكون هناك سردية (narrative) ما، تسعى لشحذ ضمير الجماعة المعتدية وحمايته من تشويه نفسه بتلك الحقيقة الباهتة. بعد تبرير العدوان، وإذا نجحت عملية العدوان، تأتي مرحلة كتابة القصة التاريخية وتوثيق مجرياتها بعيون المنتصِر. هنا أيضا تستمر السردية المصنوعة مسبقا في تقفي آثار نفسها لتحاول أن تكون متسقة وشاملة، لا أن تكون بالضرورة حقيقية. 

الاستعمارالأوروبي دخل إفريقيا بدعاوي التحضير والتنصير، فيما سُمّي حينها بعبء الرجل الأبيض (أي عبء تحضير بقية الأمم غير المتحضرة). تيدروس، إمبراطور إثيوبيا بين 1855 و1868، كان يقول "أنا أعلم حِيَل الحكومات الأوروبية. في الأول يرسلون المبشّرين، ثم قناصل لمساعدة المبشرين، ثم كتائب عسكرية لمساعدة القناصل." يمكننا أن نضيف لقائمة الامبراطور، بعد الكتائب العسكرية، الصناعات الاستخراجية وامتصاص الموارد الطبيعية. دعاوي التحضير كانت في حقيقتها سردية تبرر للدول والشعوب الأوروبية لهفتها على ثروات إفريقيا. وبرغم أن سياسات الدول الاستعمارية كانت تتفاوت بين بعضها بعضا (فسياسة بريطانيا الاستعمارية لم تكن كسياسة فرنسا، وسياسة ألمانيا لم تكن مثلهما، وكذا سياسة بلجيكا والبرتغال، إلخ) إلا أن المعالم العامة للاستعمار الأوروبي لإفريقيا مشتركة. 

بين التغريب والحداثة

حقبة الاستعمار الأوروبي لإفريقيا – والتي تنتمي لها الحقبة الكولونيالية في السودان – تتميز على بقية التاريخ البشري السابق بعاملين: هيكل الدولة العصرية والتفوق التكنولوجي الفارق. 

بالنسبة لهيكل الدولة العصرية، فهو شامل متكامل، فيه تصميم أجهزة الحكم في المنطقة الجغرافية المحكومة، وسبل إدارتها، على درجة عالية من التفصيل، إضافة لموجهات واضحة بخصوص إدارة المجموعات البشرية قاطنة تلك المنطقة. هذا الهيكل أوروبي الصورة والنكهة، لأنه وليد تخلقات تاريخية تخص أوروبا. عُرِف هذا الهيكل بنظام الدولة الويستفالية، نسبة لمعاهدة ويستفاليا التاريخية والتي قامت بين عدد من الممالك الأوروبية عام 1648 أدت إلى وضع أُطُر عامة لتحديد سيادة مؤسسة الدولة ككيان جغرافي-سياسي، وعلاقتها بالوحدات الأخرى الشبيهة لها، وانتشر في أوروبا عبر القرن الثامن عشر. معاهدة وستفاليا نفسها كانت نتيجة لتاريخ متراكم طويل من النزاعات والحروب الدامية والقمع الشرس والاستغلال المزمن (كالاستعباد والعمالة المجبرة)، عاشته المجتمعات الأوروبية لفترات طويلة. لم تكن لمعاهدة ويستفاليا نفسها علاقة بقيم الديمقراطية والحرية والتنوير بل بتحديد حدود السيادة وتنظيم السلطات بين الأمم المتعاهدة، ولذلك كان كثير من الموقّعين على المعاهدة ملوكا وأمراء وسلطات كنسية، أي لم يكونوا ممثلي حكومات منتخبة شعبيا. أقام الاستعمار الأوروبي بعد ذلك بتعميم الهيكل على إفريقيا ومنها السودان، وهو هيكل يتميّز بمركزية عالية وبيروقراطية عالية وعسكرية عالية. قبل ذلك كان السودان عموما معتادا على أنظمة حكم يمكن تسميتها بكونفدراليات الحزام السوداني (كما سماها الكاتب محمود الزين في ورقته "هل تحقق السودان الجديد ديموقرافيا؟"، 2006)، حيث كانت هناك موازنة سياسية بين سلطنات ذات حكم لامركزي وعشائر داخلها تتمتع باستقلالية نسبية وفضاءات سلطوية أخرى تتحرك فيها الطوائف الصوفية وتنتظم عموما وفق علاقات اقتصادية منسّقة واتفاقيات عسكرية (مثل دولتي الفونج وسنّار). هذه الأنظمة لم تكن فقط في منطقة السودان المعاصر بل اشتملت مساحة كبيرة من إفريقيا. بدون الخوض في تفاصيل أنظمة الدولة والحكم قبل وبعد الاستعمار نقول إن هيكل الدولة العصرية الذي جلبه الاستعمار للسودان (التركي ثم الانكليزي-المصري) كان جديدا على مجتمعات السودان وخلق قطيعة تاريخية كبيرة بينها وبين أنماطها المحلية في الحكم. هذه القطيعة جديدة مقدارا ونوعا في عموم التاريخ البشري، وأوجدت نوعا من فراغ القدرات وسط الشعوب المحلية، إذ صارت محكومة بنظام جديد تماما يجعلها لا تستطيع إدارة حكمها المحلي وفقه لأنها لا تعرفه. بعد حصول الاستقلال السياسي كان لا بد أيضا للحكومات الوطنية الجديدة أن تتعرض لعثرات كبيرة وكثيرة في عملية استيعابها لصورة الدولة الجديدة "الويستفالية الإفريقية"، بحدودها الجغرافية وميزانيتها وأجهزتها المفروضة فرضا من الخارج. 

أما عامل التفوق التكنولوجي الفارق فهو العامل الأكثر أهمية، لأنه يمثل أكثر شيء جديد على التاريخ البشري. من الواضح أن الأوروبيين لم يتمكنوا من احتلال إفريقيا نظرا لتفوقهم في القوة والشجاعة وفنون القتال وخوض الحروب الطويلة وكثرة العدد والعتاد (وهي العوامل التي كانت ترجح النصر في التاريخ القديم، ما قبل الثورة الصناعية)، إنما ببساطة لأن ترسانة الحرب التي أتوا بها – بنادق ومدافع وأجهزة اتصال ونقل عسكري – كانت متفوقة تفوقا فلكيا على ترسانات شعوب إفريقيا حينها. بعد الانتصارات العسكرية وطدت القوى الاستعمارية وجودها حيث جلبت معها بنيتها التحتية وتقاناتها المتنوعة – في العمران والمواصلات والكهرباء والطب الحديث والصناعات المتعددة والتقانات الاستهلاكية، إلخ – فأوجدت عالما جديدا موازيا لذلك العالم الذي عاشت فيه الشعوب المحلية قبل الاستعمار. ذلك التفوق التكنولوجي الفلكي في تلك الحقبة التاريخية نفسه ناتج عن عملية تاريخية طويلة ساهمت فيه حضارات عالمية عديدة عبر التاريخ (بالتراكم) إلى أن تبلور في ظروف معيّنة في أوروبا وانبثقت عنه الثورة الصناعية التي بدورها غيّرت علاقة الإنسان مع التكنولوجيا تغييرا شاملا لا رجعة منه. 


لذلك كانت الحقبة الكولونيالية تجربة مهولة للبعض، في السودان وغيره، لدرجة أنها أنتجت بعض المشاعر المختلطة، فهناك بعض أعضاء الشعوب التي تعرضت للاستعمار نراهم يقولون: كان للاستعمار حسناته وسيئاته، فهو رغم مشاكله الكثيرة إلا أنه أدخل شعوبنا في حقبة الحضارة المعاصرة والحداثة، ولولاه لكنّا نعيش الآن عصورا مظلمة. سبب تلك النظرة المتعاطفة مع المُستعمِر ليس بالضرورة ضعفا في الكرامة أو زهدا في المشاعر القومية أو نسيانا لمساوئ الاستعمار، إنما هو تشوش التمييز بين التغريب (westernization) والحداثة (modernization) بحسب وصف الدكتور علي مزروعي، الباحث الكيني المتفقه في شؤون التاريخ السياسي الإفريقي. التغريب هو مظهر الحضارة الغربية المعاصرة (المباني والطرق والعربات والكهرباء والمستشفيات وأجهزة الاتصال والإعلام، إلخ)، أما الحداثة فهي جماع التحوّلات الاجتماعية والاختراقات التكنولوجية والعلمية وفلسفات الحوكمة والقانون التي أنتجت ذلك المظهر. يصعب على من لم يولد في ثقافة مالكة للحداثة أن يستوعب الفرق بين التغريب والحداثة بصورة وافية، كما يصعب أحيانا تمديد الخيال لنتصور أننا – كشعوب كانت مستعمَرَة – كنا قادرين، عبر تطورّنا التاريخي المتصل، على أن نصل لصيغة اجتماعية وفلسفية وقانونية عامة تتوافق مع التحوّلات التكنولوجية والعلمية الهائلة بدون الاستعمار الأوروبي وبدون الهيمنة الأوروبية (أي نفس ما فعله البشر الأوروبيون لأنفسهم، فهم تطوّروا تاريخيا بدون تدخل أجنبي سافر، وكانوا في الماضي على درجات عالية من التخلف والشراسة والاستغلال فيما بينهم، مثل بقية المجتمعات حول العالم وربما أكثر). وبما أننا نفشل عادة في تمديد الخيال في ذلك الاتجاه فعلينا إذن مساومة الواقع، ثم نقول "كان للاستعمار حسناته وسيئاته". 

الإجابة القويمة عندنا إذن هي: الاستعمار مشروع استغلالي قهري بطبيعته، والاستغلال والقهر ليسا مناهج بناء أمم راسخة. 

لكن القصة قصّتنا

لكن، وكما قال المؤرخ الغوياني والتر رودني، يمكن أن نقول إن هناك أشياء إيجابية حدثت في الحقبة الاستعمارية "برغم" الاستعمار وليس بسببه (أي لم يقصدها). لا يسعنا إحصاء تلك الإيجابيات إحصاء مسهبا هنا، لكن يمكن أن نقول إن الشعوب المستعمَرة تمخضت معاناتها من الاستعمار، ونضالاتها ضده، عن أفكار جديدة وروح عالمية جديدة ترفض القهر أينما كان والظلم أينما كان (فالشعوب المقهورة هي التي علّمت الأوروبيين تصورات العدالة العالمية والحقوق العالمية، لأن الأوروبيين ما كانوا ليصلوا لتلك النتيجة بأنفسهم لولا أن الشعوب المستعمَرة قاومت باستمرار فكرة استعلاء الأوروبيين على الآخرين)، وعن أفكار مزجت عصارة الماضي بصفوة منجزات الحاضر. كذلك، ورغم كل شيء، فإن الشعوب المستعمَرة لم تقبل باحتكار الأوروبيين للمعرفة والتكنولوجيا الحديثة لأن هذه حق مستحق للإنسانية جمعاء، لأنها نتيجة تراكمات تاريخية ومعرفية ساهمت فيها الإنسانية جمعاء (وكونها تبلورت في أوروبا في حقبة تاريخية حاسمة لا يعني أنها ملك لأوروبا، لأن التاريخ دولاب يدور وتتبدل فيه الأدوار عبر المراحل المختلفة).

على سبيل المثال لم يكن الهدف من السياسة التعليمية الاستعمارية سوى تأهيل عدد محدود من أولاد البلد (في تفضيل واضح للذكور على الإناث) ليكونوا مساعدين للإدارة الاستعمارية في إدارة البلد وتنفيذ مشاريعها فيها. لم يكن الهدف من التعليم الاستعماري خلق فئة من أولاد البلد مهيأة لقيادة حركات التحرر الوطنية ومتطلعة لمصالح شعوبها ومستعدة لمؤازرة ومعاونة بعضها بعضا عبر الحدود الاستعمارية، لكن ذلك هو الذي حدث برغم الاستعمار. لم يكن أيضا الهدف من تنظيم العمّال في مجالات الصناعات الثقيلة والمواصلات والمشاريع الزراعية الضخمة سوى تسهيل لوجستيات تلك المجالات الحيوية للاقتصاد الاستعماري، ولم يكن الهدف منها منح فرصة للعمّال المحليين لتكوين وعي جمعي بأنفسهم وأوضاعهم وقدرتهم على تشكيل ضغط على السلطات للحيازة على حقوق وامتيازات أكبر عن طريق نقابات وجمعيات العمّال، لكن ذلك هو الذي حدث في أكثر من بلد إفريقي برغم الاستعمار. لم يكن أيضا هدف الاستعمار من تعميم المعرفة بلغاته في إفريقيا (الانكليزية والفرنسية والبرتغالية بالذات) سوى تسهيل عملية الحكم والإدارة للأوروبيين أنفسهم، ولم يكن الهدف من ذلك فتح الباب للشعوب الإفريقية المتنوعة اللغات لأن تجد جسر تواصل بينها، هو نفس لغة المستعمر، لتكوين تعاطف وهوية وتجربة مشتركة فيما بينها لمقاومة المستعمِر نفسه (وبتواصل مع الأوروبيين الذين استيقظت ضمائرهم)، وللاطلاع على مصادر معارف المستعمِر أيضا لمنازعته فيها، لكن ذلك هو الذي حصل برغم الاستعمار. 

لكن هناك جوانب محبطة أيضا تجسدت في فترة التخلص من الاستعمار وآثاره. في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، قال جوليوس نيريري، الرئيس الأول لتنزانيا، وبعد فترة من تركه منصب الرئاسة طوعا، قال إننا في افريقيا منذ استقلالنا لم يكن أمامنا خيار منطقي غير المزاوجة بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وكان ذلك شعارنا كنموذج بديل في نضالنا ضد الاستعمار. ثم قال لو كنا نؤمن بأن التنمية الاقتصادية مستقلة عن العدالة الاجتماعية لفقدنا مبرر نضالنا ضد الاستعمار، فالاستعمار كان أفضل منا في تحقيق التنمية الاقتصادية ولكن بدون أي عدالة اجتماعية، فلم إذن نقاومه ونستنهض شعوبنا لمقاومته، إلا إذا كنا فقط - كصفوة إفريقية - ننوي أن نأخذ مكان المستعمر بدون أي تغيير في الهيكل؟ ثم قال يبدو إن معظم الحكومات الافريقية الجديدة نسيت أو تناست ذلك المنطق الواضح بعد حصول الاستقلال السياسي، فما كان منها إلا أن تصبح إعادة إنتاج باهتة للأوضاع أثناء الاستعمار، وبذلك أيضا صارت فريسة سهلة للاستعمار الجديد (الاستعمار الاقتصادي والثقافي). 

هناك فراغات كثيرة في الصورة التي رسمناها أعلاه. فعلنا ذلك مراعاة لحدود المساحة المتاحة، إذ لا مجال للإسهاب ولا سبيل لغير كفكفة أطراف المكتوب. على العموم فإن حقبة الاستعمار في افريقيا عموما، وفي السودان خصوصا، ما زالت حقبة متصلة بحاضرنا، عبر حبل سرّي، لم يكبر السودان الحديث، الما بعد استعماري، كفاية بعد لنتعامل معه باستقلال عنها. ستون عاما ليست شيئا من عمر الشعوب، وتركة الاستعمار كبيرة ومعقدة، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ومشتبكة بإخفاقاتنا الخاصة أيضا. والحديث ذو شجون. 

---------
ُشِر هذا المقال، في مجلة الحداثة السودانية، العدد الثالث، سبتمبر 2016 - مع بعض التحرير الخاص بسياق المجلة)


1 comment: